لم أتابع قضية خلافية تمس اقتصادنا الوطني مثل أزمة العقار وما يتبعها من إشكاليات الإسكان وارتفاع الأسعار وشح المعروض مقابل الطلب. وعلى الرغم من هذه الأزمة ليست جديدة إلا أنها لا زالت تؤرق كل مواطن. أما الحلول فهي ليست واضحة كون وجهات النظر التي تحاول معالجة المشكلة “تتناحر” بشكل شبه يومي على أوراق الصحف وصفحات الإنترنت وحسابات التواصل الاجتماعي وأروقة الدوائر الرسمية.
ما هي طبيعة الأزمة تتساءلون؟ المواطن السعودي “العادي” أي من الطبقة الوسطى اقتصادياً لم يعد قادرا على شراء مسكن لأسرته، لماذا؟ لأن أسعار العقار عامة والمساكن خاصة ترتفع بشكل مخيف وهي المسبب الرئيس لارتفاع مؤشر التضخم، وبالتبعية لم تسلم حتى أسعار الإيجار من هذه الارتفاعات فأصبح المواطن بين مطرقة الإيجار وسندان التملك. ولا بد هنا من أن نستعرض بعض الحقائق الموثقة لتشخيص الحالة: هنالك انفجار سكاني سيوصل عدد السعوديين إلى ٣١ مليون نسمة عام ٢٠١٥، وارتفاع في الطلب على قطاع الإسكان يبلغ ٥٪ سنويا ليصل حجم الطلب إلى ٤ ملايين وحدة سكنية عام ٢٠٢٥، مساحات الأراضي البيضاء أو غير المستغلة أو المستثمرة بلغت ٦٠٪ من مساحة العاصمة الرياض و ٤٣٪ من مساحة الخبر والدمام و ٣٥٪ من مساحة محافظة جدة، فيما تراوحت أسعار المتر داخل المدن لهذه المساحات من ١٠٠٠ – ٣٠٠٠٠ للمتر (جميع الأرقام السابقة مقتبسة من مقال الأخ فواز العلمي “لكل مواطن أرض” بناء على الدراسة الميدانية التي أنجزتها جامعة الملك فيصل بالتعاون مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية).
أما الأخ عصام الزامل فيشير في مقاله (امتلاك المنازل بالسعودية… هل هو الأصعب في العالم) إلى أن متوسط أسعار المنازل، حسب دراسة للبنك الفرنسي، هو ١.٢٣ مليون ريال، فيما يبلغ مكرر المتوسط لامتلاك المنازل، وهو معيار دولي حسب الكاتب، يصل في السعودية إلى ١٤ لموظفي القطاع الحكومي – وهو الأعلى في العالم – و ٢٩ لموظفي القطاع الخاص – وهو رقم تعجيزي! فيما يعلق الكاتب على أن متوسط سعر الشقة التي تقل مساحتها عن ١٩٠ متر يكاد يصل إلى ٦٠٠ ألف ريال!
الأطراف المعنية بهذه الأزمة والتي تتناحر بآرائها ثلاثة: الدوائر الاقتصادية الرسمية والوزارات والأمانات (الحكومة)، المستثمرون (العقاريون ورجال الأعمال)، والمختصون من اقتصاديين وكتاب ومهتمين (المنظرون).
الحكومة تلوم المستثمرين على تقاعسهم عن القيام بدورهم الوطني والمواطن على عدم واقعيته في التعامل مع المعطيات الراهنة بأحلامه في تملك مسكن يتجاوز حجمه ٣٠٠ متر! فيما ترى أنها بذلت كل ما هو معقول بمخصصات كبيرة لتأمين السكن لمواطنيها. ولا تصدر عن الحكومة أية مؤشرات عن رؤيتها لأسعار العقار الحالية.
أما المستثمر فيرى أن الملامة تقع، بالإضافة للمواطن الطماع، على الحكومة من خلال تقاعسها عن التنظيم المنطقي للقطاع العقاري، كتأخير نظام الرهن العقاري، وعدم واقعية تقسيم المخططات مما يؤدي إلى تآكل ٤٠٪ من مساحاتها، وعدم توفير الدعم لمبادرات التطوير الشامل مما أدى إلى عرقلة هذه المشاريع، والمجتمع الذي لم يتقبل فكرة التطوير الشامل، والبنوك التي تتخوف من تمويل هكذا مشاريع. أما أسعار العقار السعودي فيرى المستثمرون أنها الأرخص في العالم!
المنظرون من جانبهم يرون أن مبادرة فرض رسوم على المساحات البيضاء ستؤدي إلى تخفيف حدة الأزمة، إضافة إلى وجوب تدخل الكومة في تنظيم المزادات العقارية للحد من التدوير وغيره من مظاهر الفساد العقاري، فيما يجزمون أن الأسعار الحالية لم تعد في متناول الشريحة الأعظم من المواطنين.
هل تناولت هذه الأطراف جميع المسببات؟ هل سكتوا عن سبب أو مسببات أخرى لحساسيتها؟ لا نعلم، ولكن الأكيد هو أننا سنقرأ المزيد من الدراسات والمقالات للمنظرين، والعديد من التصريحات المتزنة والهادئة للحكوميين، وستستمر التصاريح النارية للمستثمرين. لا يبدو أن هناك معجزة ستحل الأزمة قريبا، ولكني متأكد عزيزي المواطن بأنك ستستمتع بهذا التناحر الإعلامي فيما تتكئ غير هانئ البال داخل منزلك الذي لا تملكه.
- نشرت هذه المقالة بتصرف في صحيفة اليوم بعنوان “تناحر الآراء في أزمة العقار” بتاريخ ٢٢-١-٢٠١٢
مواضيع ذات صلة:
- فلتمطر السماء ذهبا حديث المواطنين هذه الأيام هو رواتبهم، خصوصا بعد الزيادات التي...
- حماية الطبقة الوسطى أصدرت مؤسسة النقد الأسبوع الماضي توقعاتها بتحقيق فائض في الميزانية...
- اقتصادنا غير الرسمي كان الإعلان عن ميزانية ٢٠١٢ حدثا سعوديا كبيرا، تناولته وسائل...







