خالد الكلابي

أسوأ ما يمكن أن يواجه أي إداري في القطاع العام أو الخاص هو تغلغل عقلية الجمود الإداري في الإدارات العليا. هذه العقلية تتسم برفض التغيير والتطور الإداري حتى ولو كان لمصلحة الشركة أو الدائرة أو الوزارة وبالتالي الاقتصاد بشكل عام. ومسببات ذلك عدة: البطء أو عدم القدرة على اتخاذ القرار، الخوف من المسئولية، عدم القدرة على التعامل السريع مع المعطيات المتغيرة، التعذر بالمقارنات، الرضى عن الوضع القائم بمساوئه؛ وغير ذلك الكثير.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا إذا لا يتم تغيير هذه العقلية بتغيير الإداريين الذين تتجسد فيهم هذه الأعراض؟ والإجابة قد تكون أبسط مما نتخيل: عدم قدرة صاحب القرار على تصور المنافع الجمة للتغيير، أو عدم إدراكه لوجود المشكلة أساساً! كما أن واقع الإدارة في مراتبها العليا يفرض أحيانا ديناميكية تعامل معينة بمعطيات آنية بين التنفيذيين تنحى في مجموعها للتفكير الجماعي (تفكير القطيع – Groupthink) بحيث تتصف أفكار التنفيذيين وأصحاب القرار بالتناغم والتقارب في اتجاهات محددة مقبولة عموما من الجميع. هذه الطريقة في التفكير هي مرضية بطبيعتها وناتجة عن رغبة أصحاب القرار والتنفيذيين في تفادي الاصطدام والاختلاف، فينتج عن ذلك عقلية جماعية واحدة تفكر بنفس الطريقة وتتفادى نفس الخلافات للوصول إلى قرارات معلوم بالضرورة أن الجميع سيوافق عليها، ولكنها ليست بالمحصلة الأفضل لمصلحة المنظومة أو الأعمال.

حاول الكثير من المفكرين الاجتماعيين والإداريين تحليل مسببات هذه الظاهرة في عالم الإدارة، وشرح النتائج يطول، الأهم هنا هو ملاحظة وجود علاقة سببية بين الجمود الإداري وتفكير القطيع! فالنتيجة الحتمية للتناغم والتوافق الدائم في التفكير بين قيادات أي منظومة هو حصول تجمد يتغلغل مع الزمن في مفاصل الإدارة العليا، يبدأ بضعف الاستراتيجيات الموضوعة (لأن الجميع يجب أن يتفق عليها بلا اصطدام وينظر للأهداف من نفس المنظار)، مرورا بتفاوت مستوى العمليات (لأن القيادات ستتوافق على مؤشرات أداء ليست بالضرورة هي الأصلح للمنظومة)، وانتهاء بعدم القدرة علي اتخاذ القرارات المصيرية (لأن اتخاذ القرار المصيري سيؤدي إلى حصول نزاعات واختلافات تخرج الإدارة عن مسار المنظومة المتناغمة والمتناسقة فكريا).

هذه الظواهر الإدارية هي فعلا مرض يستشري في منظوماتنا الإدارية والاقتصادية ولها تبعات شعرنا بها ونشاهدها كل يوم: عند شباك موظف القطاع العام، وفي ملتقى مسئولي الوزارة، وعلى طاولة اجتماعات إدارة الشركة، إلخ… فلا تستغرب أبدا لماذا لا يستطيع موظف الدائرة الحكومية أن يفهم طلبك أو يخدمك، فهو أيضا ضحية الجمود الإداري الذي وصل تقيحه حتى أدنى المراتب الحكومية! ولا تستغرب لم لا تقدر تلك الوزارة على تطوير أدائها فمسئولوها أنفسهم يرون أنهم على المسار الصحيح! ولا تندهش من عدم قدرة هذه الشركة أو تلك على الأداء بشكل أفضل رغم قدراتها، فالتنفيذيون فيها غارقون في… التناغم!


مواضيع ذات صلة:

  1. مجلس الإدارة… والرئيس المعانة المشتركة لمجالس إدارات الشركات حول العالم تتمحور حول اختيار...
  2. عامل المجاملة ومعادلتنا الاقتصادية الديباجة المعتادة عند تعيين مسؤول أو إداري في أي منظومة...
  3. رقيب بلا بصيرة! لا يختلف اثنان في العالم على أن الإعلام هو السلطة...

أضف تعليقك