خالد الكلابيحديث المواطنين هذه الأيام هو رواتبهم، خصوصا بعد الزيادات التي حصل أقرانهم في دول الجوار عليها فبلغت في أقصى حدودها ١٠٠٪. وليس مستغربا على المواطن البسيط أن يحلم بزيادة دخله، خصوصا مع الارتفاع العام في تكاليف المعيشة حسب جميع المؤشرات مما أسهم في تآكل الدخل الفعلي للعائلة السعودية وانخفاض قوتها الشرائية. الطبقة الوسطى في أي دولة هي المحرك الفعلي لعجلة الاستهلاك والقوة الحقيقية وراء نمو القطاع الخاص، وبما أن أكبر جهة توظف المواطنين هي القطاع العام، فإن العبء الأكبر في المحافظة على قاعدة الطبقة الوسطى يقع بالضرورة على عاتق الحكومة.

 إن المعطيات الرئيسية أمام أصحاب القرار الاقتصادي لاتخاذ قرار برفع أجور موظفي القطاع العام تحددها عدة عوامل، ولأن اقتصادنا يعتمد بشكل أساسي على النفط فإن أهم هذه العوامل هو حجم الإنتاج النفطي وسعر البرميل، يليها في الأهمية الإنفاق على البنية التحتية وتوقعات السوق المستقبلية. والمتابع لأداء القطاع النفطي يجد أن معدل نموه خلال النصف الأول من العام ٢٠١١ بلغ ٣٩.٥٪، فيما قفز متوسط سعر البرميل إلى ١٠٤ دولار. هذه المؤشرات إيجابية جداً وتعطي مؤشرا على انتعاش كبير سينعكس على ميزانية ٢٠١٢ بغض النظر عن السعر التحفظي الذي ستحتسب على أساسه وزارة المالية مدخول المملكة النفطي. ولن نزايد هنا على أن العديد من القطاعات الحكومية يفترض أنها قادرة على تغطية مصاريفها من خلال الرسوم ومقابل الخدمات التي تقدمها.

 في المقابل نجد أن إجمالي عدد موظفي القطاع العام يناهز ٩٠٠ ألف موظف تقريبا، يعيلون ما بين ٢.٥ إلى ٣ مليون أسرة، تصرف الحكومة قرابة ٣٤.٣٪ من إجمالي حجم إنفاق ميزانيتها عليهم بمبلغ يقدر بـ ١٨٥.٣ مليار ريال سنويا، وذلك حتى بعد احتساب الزيادات التي أعلن عنها مؤخرا كتثبيت بدل غلاء المعيشة وغيرها. وفيما يعتمد القطاع العام على ١٨ سلماً لرواتب المدنيين العاملين بالدولة فإن هذه التقسيمات تبدأ بحد أدنى يبلغ ٣٠٠٠ ريال لسلم الرواتب العام. وبالتالي فإن متوسط الرواتب بشكل عام لن يدعم طموحات النمو الاقتصادي حيث الحدود القصوى لرواتب القطاع العام تصل إلى ٢١ ألف ريال، وهي لقلة إدارية وصلت الحدود العليا في سلم الرواتب والمناصب قبل التقاعد.

 إن على صاحب القرار الاقتصادي أن يأخذ بالاعتبار أن الحفاظ على الطبقة الوسطى من التآكل وزيادة قاعدتها يتطلب قرارا جريئا بزيادة نوعية في مستوى دخول المواطنين لتحفيز معدلات الاستهلاك، ونمو القطاع الخاص، وتمكين تملك المساكن، وغيرها من آثار إيجابية ضرورية ستعود أخيرا بالنفع على التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية للحكومة السعودية، ولا ننسى أن حجم الدين الحكومي انخفض بنسبة كبيرة، ويتمتع الاقتصاد باحتياطي ممتاز وآمن، وهناك فائض متوقع كبير. فلتمطر السماء ذهباً على المواطنين، وليرتفع الإنفاق الحكومي على الرواتب، ولو بشكل مجزأ وتصاعدي حسب درجة السلم الوظيفي، فزيادة الإنفاق من ١٨٥ مليار إلى ٣٧٠ مليار ريال مقدور عليها حسب المعطيات الاقتصادية الحالية والمستقبلية.


أضف تعليقك